تتعالى الأصوات التي تلقي اللوم على الهواتف الذكية في التأثير السلبي على الصحة العقلية للأطفال، حيث يربطها الكثيرون بمشكلات مثل الإدمان الرقمي والتعرض للأفكار السلبية من الإنترنت والألعاب. ولكن، دراسة جديدة أجرتها جامعة جنوب فلوريدا تلقي ضوءًا جديدًا على هذا الموضوع، حيث تبرز نتائج مفاجئة قد تغير نظرتنا حول تأثير الهواتف الذكية على الأطفال.
وفقا لهذه الدراسة، التي شملت أطفالًا تتراوح أعمارهم بين 11 و13 عامًا، أظهرت النتائج أن امتلاك الأطفال لهواتف ذكية قد لا يكون بالضرورة ضارًا لهم، بل قد يحمل فوائد صحية ونفسية. الأطفال الذين يمتلكون هواتف ذكية أظهروا مستويات أعلى من الصحة النفسية، وكانوا أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق مقارنة بأقرانهم الذين لا يمتلكون هواتف ذكية.
وتشير الدراسة إلى أن هؤلاء الأطفال يتمتعون بتفاعل اجتماعي أكبر، ويشعرون بتحسن نفسي مقارنة بأقرانهم الذين لا يستخدمون الهواتف الذكية. في الواقع، الأطفال الذين يمتلكون هواتف ذكية يميلون إلى المشاركة في الأنشطة البدنية أكثر، كما أن لديهم احترامًا أكبر لذاتهم.
ويرى الباحث الرئيسي في الدراسة، جاستن د. مارتن، أن النتائج كانت مفاجئة، حيث كان من المتوقع أن يظهر البحث تأثيرًا سلبيًا للهواتف الذكية على صحة الأطفال، ولكن تبين العكس، حيث تبين أن امتلاك الهواتف الذكية يرتبط بنتائج إيجابية.
من ناحية أخرى، تشير الدراسة إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي. الأطفال الذين يكثرون من النشر على منصات مثل "فيس بوك" و"إنستقرام" كانوا أكثر عرضة للإصابة بأعراض الاكتئاب والقلق ومشاكل النوم مقارنةً بمن لا ينشرون أو ينشرون بشكل نادر.
وأظهرت الدراسات أيضًا أن التنمر عبر الإنترنت يعد من أكبر التحديات التي يواجهها الأطفال على الإنترنت، حيث كشف أكثر من 60% من الطلاب أنهم تعرضوا لهذا النوع من التنمر، ما أدى إلى ظهور أعراض الاكتئاب والضغط النفسي. الأطفال الذين يجدون صعوبة في التوقف عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي غالبًا ما يعانون من تأثيرات سلبية على صحتهم النفسية.
ويحذر الخبراء الآباء من السماح لأطفالهم بالنشر المتكرر على منصات التواصل الاجتماعي، ويشددون على ضرورة اتخاذ خطوات لحد من هذا الاستخدام. كما يُنصح بمنع الأطفال من أخذ هواتفهم إلى أسرّتهم أثناء النوم، حيث أظهرت الدراسة أن الأطفال الذين ينامون مع هواتفهم يتعرضون لقلة في ساعات النوم، ما يؤثر بشكل سلبي على صحتهم.
توصي الدراسة الآباء باستخدام أدوات التحكم عن بُعد، مثل الرقابة الأبوية وبرامج مراقبة وقت الشاشة، لضمان استخدام صحي وآمن للأجهزة الرقمية. كما تنصح باتخاذ إجراءات داعمة في حال اكتشاف أي علامات للتنمر أو التحرش عبر الإنترنت، مع التأكيد على أهمية منح الأطفال فترات راحة قصيرة من وسائل التواصل الاجتماعي.
مع استمرار هذه الدراسة الوطنية التي ستستمر على مدى 25 عامًا، يتضح أن فهم تأثير الهواتف الذكية على الأطفال يحتاج إلى مزيد من البحث والتحليل، ليكون لدينا رؤية واضحة حول كيفية التعامل مع هذه التكنولوجيا في حياة الأطفال بشكل إيجابي وآمن.
إرسال تعليق