يشهد العالم اليوم تطورًا متسارعًا في مجال الذكاء الاصطناعي، مما أحدث تحولًا جذريًا في الأبحاث العلمية. فمع التقدم المستمر، باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على مساعدة الباحثين في صياغة الفرضيات وتصميم التجارب، مما يسهم في تسريع الاكتشافات العلمية.
في خطوة تعكس هذا الاتجاه، أعلنت جوجل خلال شهر فبراير الماضي عن إطلاق أداة ذكاء اصطناعي جديدة تحمل اسم AI co-scientist، وهي مصممة لدعم العلماء في أبحاثهم من خلال تحليل البيانات وتقديم رؤى مبتكرة تسهل عملية الاكتشاف العلمي. وعلى الرغم من أن هذه التقنية لا تزال قيد التقييم، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي على البحث العلمي أصبح ملموسًا، خاصة بعد فوز علماء الحاسوب بجائزة نوبل في الكيمياء العام الماضي بفضل تطويرهم لنموذج ذكاء اصطناعي قادر على التنبؤ بأشكال جميع البروتينات المعروفة للبشرية، وهو إنجاز وُصف بأنه حل لمشكلة استمرت 50 عامًا.
لكن في مقابل هذه التطورات الواعدة، تبرز مخاوف متزايدة بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على نزاهة البحث العلمي. فقد أدى استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى تزايد عمليات التلاعب بالبيانات وتزوير الأبحاث، وهو ما أدى إلى ارتفاع كبير في عدد الأوراق العلمية المسحوبة. وتشير الإحصائيات إلى أن عام 2023 شهد سحب أكثر من 10,000 ورقة بحثية، بعد أن تم الاستشهاد بها أكثر من 35,000 مرة، مما يعكس تأثيرها السلبي في الأبحاث اللاحقة.
وتظهر دراسات حديثة أن هذه الظاهرة ليست مجرد حالات فردية، بل أصبحت توجهًا عالميًا مقلقًا. إذ أقر 8% من العلماء الهولنديين بارتكاب عمليات احتيال بحثي خطيرة، وهو ضعف المعدل المسجل سابقًا. كما أن معدل سحب الأبحاث الطبية الحيوية تضاعف أربع مرات خلال العشرين عامًا الماضية، والسبب الرئيسي في معظم هذه الحالات هو سوء السلوك العلمي المتعمد.
إضافة إلى ذلك، يمنح الذكاء الاصطناعي التوليدي الباحثين أدوات قوية تمكنهم من إنشاء أبحاث وهمية بسهولة. فقد أظهرت تجربة بحثية أن الذكاء الاصطناعي قادر على توليد مئات الأوراق الأكاديمية المالية المزيفة بالكامل، متضمنةً تنبؤات وهمية بعوائد الأسهم. ومع أن الهدف من هذه التجربة كان تسليط الضوء على إمكانيات الذكاء الاصطناعي، فإنها كشفت في الوقت نفسه عن مخاطر استخدامه بشكل غير أخلاقي.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، فقد سُجلت حالات استخدم فيها باحثون الذكاء الاصطناعي في مراجعة الأبحاث، مما أثار تساؤلات حول دقة هذه المراجعات وموضوعيتها. فوفقًا لدراسة أجرتها جامعة ستانفورد، فإن 17% من مراجعات الأقران في المؤتمرات الكبرى للذكاء الاصطناعي كانت مكتوبة جزئيًا باستخدام الذكاء الاصطناعي، مما يطرح تساؤلات حول مدى مصداقية عملية مراجعة الأبحاث العلمية.
كما أن أحد المخاطر الأخرى التي يفرضها الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي تتمثل في ظاهرة "هلوسة الذكاء الاصطناعي"، حيث يقوم النظام باختلاق بيانات أو نتائج غير صحيحة دون قصد. وقد أظهرت دراسة حديثة أن 52% من الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي حول أسئلة البرمجة تحتوي على أخطاء، بينما يفشل الإشراف البشري في اكتشاف هذه الأخطاء في 39% من الحالات، مما يثير القلق بشأن تأثير ذلك على دقة الأوراق العلمية.
ورغم هذه المخاطر، فإن الذكاء الاصطناعي يوفر إمكانيات هائلة للبحث العلمي، إذ بات بإمكان الباحثين الاعتماد على نماذج ذكاء اصطناعي متخصصة في تحليل البيانات وصياغة الفرضيات وتصميم التجارب، مما يوفر عليهم الكثير من الوقت والجهد. كما أن تطوير روبوتات مختبرية متطورة، مثل تلك التي تعمل عليها هيئة البحوث الأسترالية CSIRO، يتيح للعلماء التفاعل معها بسهولة لأداء المهام المتكررة بدقة عالية.
وفي ظل هذا التقدم، يصبح من الضروري وضع سياسات صارمة تضمن الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للذكاء الاصطناعي في البحث العلمي. فكما أن هذه التقنية قادرة على تحقيق قفزات علمية كبيرة، فإن سوء استخدامها قد يؤدي إلى تراجع مصداقية البحث العلمي بشكل خطير. لذا، فإن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحقيق التوازن بين تسخير الذكاء الاصطناعي لدفع عجلة التقدم العلمي، وفي الوقت نفسه ضمان نزاهة الأبحاث وحمايتها من التلاعب والاحتيال.
إرسال تعليق